الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية الوجه الآخر لاغتيال صالح بن يوسف... بقلم عبد السلام بن عامر

نشر في  17 ماي 2019  (11:40)

بقلم عبد السلام بن عامر

كانت تونس تعيش على وقع حرب أهلية غير معلنة حين اغتيل صالح بن يوسف. ومن المفارقات أنه "بقصّ الرأس نشفت عروق" تلك الحرب وبدأ بناء الدولة والإنسان معا.

ولن أتحدث إلا عن نفسي. كنت قد تجاوزت العاشرة من عمري يومها دون أن أجد لي مكانا في المدرسة. وبعد سنتين، قُبِلتُ في السنة الأولى. ومنها نُقِلتُ إلى الثالثة. ثم تواصلت مسيرتي التعليمية دون توقف بفضل منظومة تعليمية وفرت لنا الغذاء والدواء فضلا عن المعلمين الأكفاء..

كنا نأتي المدارس الريفية صباحا فنجد الحليب الساخن.. ثم نجد المعلم المربي الذي يتفقد أظافرنا وأعيننا وشعر رؤوسنا. كان المعلم يعالج رمدنا بنفسه ويرسل أسماء المصابين منا بالقرع (مرض جلدي يصيب جلدة الرأس لا تعرفه أجيال اليوم) إلى السلطات المعنية، فتأتينا حافلة خاصة تحملنا إلى المستشفى الجهوي للعلاج بالـ"تريسيتي" (هكذا كنا نسمي العلاج بالأشعة).

كان الواحد من معلمينا يأتي إلى المدرسة قبل ساعة أحيانا ليحضّر لنا دروسا على أكثر من سبّورة.. وكان يتابع رعاية كل تلميذ منا للشجرة التي غرسها في المساحة المخصصة للمدرسة.. ويوم انتقلنا إلى المعهد الثانوي كان أساتذتنا - وأغلبهم من المتعاقدين الفرنسيين - منبهرين برفعة مستوانا معشر الأطفال الآتين من الأرياف..

وكنت شخصيا أجيبهم بأني تلميذ المنصف الحرشاني والهادي بلحاج - رحمة الله عليهما - على سبيل الذكر لا الحصر..

كانت البلاد عبارة عن "شانطي" في كل المجالات. وكنا نسمع أن ثلث ميزانية الدولة مخصص للتعليم. أما حين انتقلت إلى مدرسة ترشيح المعلمين، وكان أصدقائي الثوريون يستغربون "رجعيتي" - لأني لا أعارض النظام بما فيه الكفاية - فإني كنت أقول لهم إني مَدين لبورقيبة - دولة الاستقلال - بأني لم أبق راعيا حين فتحت لي أبواب العلم في سن الثانية عشرة..

رحم الله صالح بن يوسف.. وغفر الله للحبيب بورقيبة.